2020-11-24

نبوءات ما بعد “كورونا”.. هل سيتغير شكل العالم بعد الوباء؟

انطلاقا من مقولة نيتشه: “إذا حدقت طويلا في هاوية ما فسوف تحدق فيك” فإنّ كثرة تنظيرنا للتخلف، خَلق جيلا يحكمه التقليد ويؤطر زاوية نظره للمستقبل، وأصبحت الانهزامية المرعبة تسير بنا وتقودنا في التعليم والصحة.. وغدت التبعية سيدة السياسة الأولى تملي علينا فهمنا وحقنا وواجبنا.

وفي ظل أزمة الوباء الحالي الذي انتشر في معظم العالم، يقتل شيوخه وعجائزه كأنه آلة حصاد تمر على رؤوس السنابل فتقطف اليابس منها، وأحيانا يعلق بمقصلتها بعض السنابل الخضراء، أعلن أحد العارفين بفلسفة التطور أن الوباء سلاح الطبيعة لتعيد بناء عالم جديد خال من التلوث والفساد.

كما صرح بعض السياسيين والمحللين ــ راجع فورين بوليسي ــ أننا إزاء عالم جديد بعد انحسار الوباء، لأن الأزمة لها ما بعدها، والتاريخ معلمنا وشاهد علينا، وهو يعيد نفسه في تسلسل منتظم، ومن شاهد المسلسل الألماني الرائع dark سيعرف ما أقول.

إننا رهن للتاريخ، الذي هو أحداث تتكرر بشخصيات وقوالب متجددة، تنبأ ابن خلدون بنهاية الأمم بعد وصولها المجد، وظهور بوادر الترف والأنانية فيها، وهو ما نراه جليا في تعامل الدول الديمقراطية مع أزمة الوباء، فمعظمها انكفأت حول نفسها، وأغلقت الباب في وجه حلفائها ممن تجمعها معهم وحدة الاقتصاد والفكر السياسي في ظل مظلة العولمة التي اتضح أنها أضعف من أن تحتمل الأزمة وتتنفس فيها.

في المقابل أبان النظام الشمولي الذي تتصدره الصين عن قدرة فائقة في احتواء الوباء وتأثيراته السلبية على الاقتصاد، مما جعل منها تجربة تحظى بإعجاب في العالم، ولم لا والمساعدات الطبية الصينية تتقاطر على الدول التي تعاني من الوباء، أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم.. فطالما استعبد الإنسانَ إحسانُ أبو الفتح البستي.

لكن ما لا يلتفت إليه إعلاميا هو أن النجاح في احتواء الأزمة في الصين مثلا، قام على مبادئ قمع الحريات، وانتهاك حقوق الأقليات، وتعتيم إعلامي كبير لما حدث ولا زال يحدث.

فهل نحن بصدد نظام عالمي جديد ستقوده الشمولية؟ أم أن ما بدر من قرارات في قمة العشرين الأخيرة سيعيد الأمل في نظام عالمي جديد مبني على الإنسانية، تقوده مبادئ التعاون الإنساني والاقتصادي، وليس العسكري الأمني.

وإن كانت ولادة هذا النظام تحتاج لقربان فلا أفضل من التضحية بما يسمى هيئة الأمم المتحدة التي كانت ولا زالت هيئة في يد النخبة تخرس بها الضعيف وتقتص منه، في مقابل السكوت عن جرائم الأقوياء.

لكن الأمل في ذلك يصغُر أمام توقعات تفيد أن العالم سيكبر مجددا، ستختفي القرية الصغيرة، وتبرز القوميات والوطنيات، وتتمزق الأنظمة الكبرى المعولمة تحت ضغط الاكتفاء الذاتي والخوف من الآخر..فأين نحن العرب من مرحلة ما بعد الأزمة وتغير موازين القوى الذي ظهرت ملامحه منذ مدة طويلة قبل ظهور الوباء؟ هل يبرز فينا لآن الجيل الذي يدفن الهوة التي حدقنا فيها حتى أصبحت تملكنا؟ هل نتجاوز الخط الأحمر الذي رسم لنا عن قصد، ونبني عالمنا الجديد مستندين على تاريخنا المجيد الذي ما أحوجنا إلى تمحيصه ونقده نقدا يبني منه برجا قويا نستشرف منه نظرتنا للغد؟

أليس من حقنا أن نتجاوز كل الخطوط الحمراء السياسية، ونرسم خطا أفقيا نسير بهديه إلى ذلك الحلم الجميل، حلم بناء المجتمع القوي بشعبه ومؤسساته؟ كثيرة هي الأسئلة التي يجب أن نطرحها الآن، فالوقت وقت إعادة الاعتبار للمفيد من مكونات مجتمعنا، وقد حان الوقت ليقود المعلّم مركبة الإقلاع الحضاري، وليجلس الاستعراضيّون في آخر الصف، فالحجر الصحي أثبت أن الأمور ستكون بخير حتى ولو انقرضوا.

الكاتب: محمد أكروح

المقالة تعبر فقط عن رأي الكاتب

شارك